أحمد زكي صفوت

215

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار ، وتسلّم للأقدار . واقبل من الدهر ما أتاك به * من قرّ عينا بعيشه نفعه إذ الأفكار تجلب الهموم ، وتضاعف الغموم ، وملازمة القطوب ، عنوان المصائب والخطوب ، يستريب به الصاحب ، ويشمت العدو المجانب ، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك ، لأنك تنصر بها الدهر عليك ، وللّه درّ القائل : إذا ما كنت للأحزان عونا * عليك مع الزمان فمن تلوم مع أنه لا يردّ عليك الفائت الحزن ، ولا يرعوى بطول عتبك الزمن ، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم ، وعشقته الغموم ، من صغره إلى كبره ، لا تراه أبدا خليّا من فكره ، حتى لقّب بصدر الهم ، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكّد في الشدة ، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ، ويتنكّد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم . وينشد : توقّع زوالا إذا قيل تمّ ، وينشد : وعند التناهي يقصر المتطاول . وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ، ومثل هذا عمره مخسور يمرّ ضياعا . ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمّون من العلم ما تحسنه حسدا لك ، وقصدا لتصغير قدرك عندك ، وتزهيدا لك فيه ، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك ، وتركن إلى العلم الذي مدحوه ، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة « 1 » فرام أن يتعلمه فصعب عليه ، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه ، فبقى مخبّل المشي ، كما قيل : إن الغراب ( وكان يمشى مشية * فيما مضى من سالف الأجيال ) « 2 » حسد القطا ، وأراد يمشى مشيها * فأصابه ضرب من العقّال « 3 »

--> ( 1 ) الحجل بالتحريك : طائر على قدر الحمام كالقطا أحمر المنقار والرجلين ، والواحدة حجلة واسم جمعه حجلى بكسر فسكون ففتح ولا نظير له سوى ظربى ( ومفرده ظربان بفتح فكسر وهو دويبة منتنة الريح ) ( 2 ) هذا البيت ليس مثبتا في الأصل ، وقد أورده الدميري مع البيتين بعده في حياة الحيوان الكبرى 2 : 244 . ( 3 ) العقال : داء في رجل الدابة إذا مشى ظلع ساعة ثم انبسط .